اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

142

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

الزنج عام 257 ه - 870 استقر رأيه على القيام برحلة طويلة من سيراف إلى الصين ؛ وقد خالفه التوفيق فوصل إلى عاصمة الصين وكانت في ذلك الوقت خمدان Khumdan ( أو سينانفو Sinanfu ) ولوصفه أهمية خاصة إذ بعد قليل من ذلك في عام 264 ه - 878 تم القضاء على المستعمرة العربية بكانتون نتيجة للحروب الداخلية فانقطعت بذلك الصلات المباشرة بين العرب والصين 183 وأصبحت آخر ميناء تصلها السفن العربية ميناء كله أو كله بره بشبه جزيرة الملايو 184 ؛ ولم يتجدد الاتصال بالصين إلا في النصف الثاني من القرن الثالث عشر 185 . وقصص سليمان وابن وهب قد دونها في بداية القرن العاشر أبو زيد الحسن السيرافى 186 من أهل البصرة ، وهو الذي أعطاها شكلها المعروف لدينا الآن . والسيرافى نفسه لم يكن رحالة ولا عالما بل كان على ما يظهر من المغرمين بأمثال هذه القصص التي كان من السهل جمع محصول وافر منها سواء في مسقط رأسه سيراف أو في البصرة . وقد التقى به المسعودي عام 303 ه - 916 ؛ ورغما عن الخلط في الأسماء فإن جميع الدلائل تشير إلى أن المسعودي قد أخذ عنه رواية ابن وهب 187 . ومسودة أبى زيد السيرافى وصلتنا في مخطوطة فريدة موجودة بباريس أضاف إليها النساخ مقدمة لا علاقة لها البتة بمحتويات الكتاب ؛ وزاد المشكلة تعقيدا أن المخطوطة تحمل عنوانا غير مناسب على الإطلاق هو « سلسلة التواريخ » . وقد اجتذب هذا الأثر أنظار العلماء منذ عهد مبكر فظهرت له منذ عام 1718 ترجمة فرنسية لم تلبث أن أثارت الريبة لدى البعض والاشتباه في التدليس لدى آخرين . ويعود الفضل في دراسة هذه المجموعة من القصص إلى رينو ، كما درسها في القرن العشرين فيران « * » الذي يدين له العلم بوضع أساس متين لدراسة الرحلات البحرية التي قام بها العرب في بحر المشرق . وقد سارت هذه القصص البحرية في سلسلة متصلة الحلقات فأبرزت لنا في فرع من فروعها « أسفار السندباد » - - التي طبقت شهرتها الآفاق والتي وجدت كمجموعة مستقلة قائمة بذاتها قبل أن تدخل ضمن مجموعة « ألف ليلة وليلة » الضخمة 188 ، وقد أثبت العلم أخيرا أنه من الخطل اعتبارها محض أسطورة خرافية تدور حوادثها خارج حدود الزمان والمكان ؛ إذ استبان من أبحاث رينو ودى خويه وفيران أن « أسفار السندباد » انبعثت في نفس الوسط الذي نشأت فيه قصص التاجر سليمان وفي نفس مواضعها أيضا أي سيراف والبصرة وبغداد ، بل وفي نفس العصر تقريبا أي حوالي عام 900 189 . ويتفق فيران وكازانوفا Casanova في أنها ترتفع إلى زمن أبعد بكثير من زمن القصص الأخرى لأنه لا يرد فيها ذكر للصين 190 مما يستدل منه أن تلك البلاد إما كانت غير معروفة البتة أو كانت معروفة قليلا في العصر الذي تشكلت فيه الصورة الأولى « لأسفار السندباد » 191 ، ويرجع كازانوفا تاريخها بالتحديد إلى عصر الرشيد 192 ، أما مسرح حوادثها فهو الهند وأرخبيل الملايو ؛ وقد أمكن تحديد أماكن بعض حوادثها بالكثير من الدقة . هذا وكان لأسفار السندباد تأثير واضح على سير القديسين في أوائل العصور الوسطى

--> ( * ) آخر دراسة لهذه القصص قام بها المستشرق الفرنسي سوفاجيه G . Sauvaget ( 1948 ) . ( المترجم )